[ لِكَيْ تنجحَ، يجبُ أنْ تكونَ رغبتُكَ في النَّجاح تفوقُ خوفَك من الفشل. ]
قَدْ لا أكونُ مُبالِغًا إذا قرَّرتُ في هذه الأَسطُر أَنَّ الرَّغبةَ المُشتعلةَ هي مِن بين المفاتيح الأَقوى تأثيرًا، التي يتأَتّى بها فَتحُ باب النَّجاح الأكبر.
كثيرٌ من المفاتيح هي ضروريَّةٌ ولازمةٌ، وتتعاضدُ فيما بينها لِتيْسيرِ نَجاح الفرد، وتذليل الصُّعوبات التي تُواجهُهُ؛ إلاَّ أَنَّ الواقِعَ يشهَدُ ويُؤكِّدُ أَنَّ الرَّغبةَ المُشتعلِةَ هي الوَقودُ الدّافعُ، والجِذوَةُ المُتوقِّدةُ التي تُلهِبُ ضميرَ الفرد، وتُحرِّكُ وِجدانَه، وتُؤجِّجُ كيانَه، فينطلِقُ في سعيٍ حثيثٍ، وإصرارٍ لا يَعرِفُ الوَهنَ، لِتحقيق أهدافِه، وإنجاز مَشاريعه.
حافِظْ على ديمومة اشتعال الرَّغبة:
وكما أنَّه لا نجاحَ بدون تخطيطٍ؛ فلا نجاحَ بدون رغبةٍ مُتوقِّدةٍ، والشَّخصُ التَّوَّاقُ إلى النَّجاح الباهر يَجتهِدُ دَومًا في إيقادِ جِذوةِ الرَّغبة في كَيانه، حتّى يَظلَّ مُتحفِّزًا نحو العمل الذي يُريدُ إنجازَه، وبِمُجرَّدِ أن تشتعِلَ نيرانُ الرَّغبة بينَ جَنبيك، وتتأجَّجَ في كيانك، فَهَيْهاتَ أَنْ تنطَفِئَ أَو أَن يَتمكَّنَ مِن إِخمادِها صديقٌ مُنافِسٌ، أَوْ عَدُوٌّ مُشاكِسٌ.
وحتّى تَضمَنَ دَيمومةَ اشتعال رَغبَتِك تُجاهَ تَحقيقِ أمرٍ ما، فَسْألْ نَفسَكَ:
هَلْ هذا العمَلُ الذي أصبو إلى تَحقيقه يتناغَمُ معَ قِيَمي ومبادئي؟
هلْ يُحقِّقُ عملي هذا رُؤيَتي في الحياة؟
هلْ يُحقِّقُ معالِمَ الشَّخص الذي أرغبُ أَن أكونَهُ في المُستقبل؟
إذا كنتَ تَرغَبُ رغبةً حقيقيَّةً في تحقيق هدفٍ ما، فليسَ ثَمَّةَ حواجِزُ تَحولُ دون بلوغك مقصدك، إلآّ إذا افتقرْتَ إلى مَهارات التَّخطيط السَّليم، والضَّبط الدَّقيق لإدارة الوقت، والمَعارف اللازمة لإنجاز ذلك الهدف.
الفرقُ بين الرَّغبة والإعجاب والتَّمنّي:
يَحسُنُ التَّفريقُ في هذا المَقام بينَ الرَّغبة المُشتعلة، وبين الإِعجاب العابر، والتَّمنّي المَشوب بالميل النَّفسي لاستجلاب أَمرٍ أو نيلِه أو حيازتِه.
والفرقُ يتمثَّلُ في التِصاق الرَّغبة بِسِمتين قويَّتين هما: التَّحديدُ والإصرار؛ فلا يَكفي أَنْ تُعجَبَ بِأمرٍ ما، أو تتمنّى نيلَه، بل لا بُدَّ أَنْ تكونَ جازِمًا في طلبك له، وحُبِّك لِتحقيقه، مُكِنًّا بين أضلُعِك رغبةً مُلتَهِبَةً مُتَوَقِّدةً تَدفَعُك نحوه دَفْعًا، وتَهُزُّك لِتحقيقه هَزًّا، وتَؤُزُّك أَزًّا.
حَدِّدْ ماذا تُريدُ بِدِقَّةٍ، ولا تَبْغِ به بَدلاً، ولا تَرْضَ عنه حِوَلاً، ولا تُشَتِّتْ ذِهنَك بينه وبين خياراتٍ أُخرى مُشابِهةٍ، ولا تَقُلْ في نَفسِك: إِنْ لَم أُحقِّقْ هذا، فسأتحَوَّلُ إلى ذاك، وإِن لَم يتأَتَّ ذاك، فَسَأُحوِّلُ رَحْلي إلى ذلك!!
كثيرٌ من النّاس تستهويهم النَّتائجُ الجميلةُ، ويتعجَّبون عندما يسمعون أَخبارَ النّاجحين، ويَغبِطونهم ويُمجِّدون نجاحاتهم، ويَتمَنَّونَ أَن يكونوا أَمثالَهم.
وفي الوقت ذاته، لا يُكلِّفون أَنفُسَهم عناءَ السُّؤال أو الاستفسار عَن أحوال هؤلاء النّاجحين مِن قبلُ. لا يُكلِّفون أَنفُسَهم مؤونةَ السُّؤال عن أسرار تَحقيقِهم النَّجاحَ الباهرَ، واليَسارَ الزّاهرَ، ورَغَدَ العيش الفاخر.
الذين نَجحوا في ميادين الحياة المُختلفة حدَّدوا ما أرادوا. رسموا أهدافًا دقيقةً ومُحدَّدةً، وتاقت أَنفُسُهم إليها، واشتعلَت جوانِحُهم لِتحقيقها.
تأجَّجت رغباتُهم الصّادقة لإدراك مَأمولِهم فَعملوا بِكلِّ قُواهم، واجتَهدوا بكلِّ ما يَملِكون، وبَذلوا أَقصى ما في وُسْعِهم. خَطَّطوا مُتوَسِّلين بِكلِّ السُّبُل العِلميّة المُتاحة بينَ أيديهم.
عَزموا فبادَروا فَعمِلوا، فأصرّوا فصابروا ورابطوا، ثُمَّ بزغت شمسُ النّجاح ساطعةً تُنيرُ حياتَهم، وتُبْهِجُ ظُروفَهم ونتائِجَهم.
هَدفٌ مُحدَّدٌ دقيقٌ ورغبةٌ مُتأَجِّجةٌ صادقةٌ:
عندما عزم طه حُسين على دراسة الأدب الفَرنسي، وتاقت نفسُهُ للتَّغَنّي بِلُغة الجمال، التي تَطرَبُ لها النُّفوسُ كما تَطربُ البلابلُ والأطيارُ فَوقَ الأَغصان المُتدلِّيَّة الأَفنان، في الحدائق السّاحرة الغَنّاء، في فَصل الرَّبيع البَهيج، عندما عزمت نَفسُهُ على دراسة الأدب الفرنسي، ودراسة النَّظريّات الأدبيَّة والنَّقديَّة التي كانت تَحفل بها بَلدُ الجِنِّ والملائكة باريسُ، سلَكَ إلى مُبتغاهُ كلَّ سبيل، وتوَسَّلَ إليها بكلّ وسيلة.
انخرَطَ – وهو الأزهريُّ الذي تشرَّبت نفسُهُ العربيَّةَ وعلومَها مِن مَعينِها الذي لا يَنضَبُ – في صُفوف طلاّب اللُّغة الفرنسيَّة، وبدأَ يَتعلَّمُ دُروسَ قواعد الفرنسيَّة الأُولى وكلماتها وجُملها.
تعلَّمَ منها النَّزرَ القليلَ؛ فليسَ من السُّهولةِ أَن يَتعلَّمَ شابٌّ نشأ في جَوّ جامع الأَزهر الذي لا يَعرِفُ غيرَ العربيَّة شِرْعةً ومَنهجا، والذي لا يدينُ أَهلُهُ إلاّ بالإسلامِ نِحلةً ومَذهَبًا، قلتُ: ليسَ من السُّهولة أنْ يَظفَرَ بحاجته، وهِيَ إِتقانُ اللُّغة الفرنسيَّة حتّى بعد انخراطه في صفوف طلاب الجامعة المصرية بعد ذلك.
ولَكِنَّ إِتقانَ اللغة الفرنسيَّة ودراسةَ آدابِها كانَ شُغلَهُ الشّاغلَ. ملَكَ عليه وِجدانه، وأقضَّ مَضجَعَه، وزلزلَ كيانَه، وأبعدَ الكرى عن أجفانه، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ بُدٌّ مِن السَّفر إلى باريس، فعزمَ على الرَّحيل، وكابدَ – وهو الكفيفُ البصيرُ – الأَمرَّين مِن أجل حُصوله على مِنحةٍ أَو رُخصَةٍ تُمكِّنُهُ من دراسة اللُّغة الفرنسيَّة وآدابها في قلب فرنسا العامر.
تغلَّبَ على الصِّعاب، وألقى عصا التَّرحال في باريس، وتعرَّفَ على إحدى المُعلِّمات الفُضليات التي أُعجِبَت بِحِدَّة ذكائه، ورَوعةِ بديهته، وشَغَفِه بالآداب واللُّغات.
جمعتْ يدُ القدر بينهما في زواجٍ مُبارك مَيمونٍ؛ فأصبحت تلكَ المَرأةُ الأجنبيَّةُ هيَ الزَّوجَ والمُعلِّمةَ والمَلاكَ الذي يملأُ حياتَهُ بهجةً وسُرورًا، وسعادةً وحُبورا.
أعادَ دراسةَ المرحلة الثانوية باللُّغة الفرنسيّة، وأبدع في نتائج تَحصيله الدِّراسيِّ، والتَحقَ بطلاب الأدب الفرنسيّ في جامعة السُّوربون العتيقة ذات الصِّيتِ الذَّائع، والنَّجم اللامع طوال القرن العشرين، ولا يزالُ نَجمُها لامِعًا ساطِعًا في سماء التَّعليم الجامعيّ إلى الآن.
قدَّمَ طه حُسين الكثيرَ، وبذلَ الثَّمن الكبيرَ، وأفنى سِنيَّ عُمرِه – على الرَّغم من عاهته- مُتَعلِّمًا، ودارسًا، وباحثًا، ومُطالِعًا لأُمَّهات كتب اللُّغتين العربيَّة والفرنسيّة وآدابهما، حتّى لانَ له أسلوبُ القَول والكتابة بهما.
كتبَ كتابَه المشهور عن مصرَ أرضِ الكِنانة باللغة الفرنسيّة، وَوَسَمه بـ "وصفُ مِصر"، وهو سِفرٌ جليلٌ يقعُ في ثلاثة أجزاء.
عادَ إلى أُمِّهِ مصرَ، حيثُ الأزهرُ عرينُ العُروبة والإسلام، وتوَّجته مصرُ عميدًا للأدب العربيّ، وأبدع في كتاباته ومُحاضراته، ثُمَّ لَمع نجمُهُ مُتبَوِّئًا منصب وزير المعارف.
وباختصار واقتضابٍ، جاءته الدُّنيا وهِي راغِمةٌ، وأَقرَّ بِعلمه وأدبه القاصي والدّاني، وملأَ ذِكرُهُ السَّهلَ والجبلَ، وتردَّدَ اسمه في الإعلام والمحافل الأدبيّة والثقافيّة، وتناولته الأَلسِنةُ والأَقلامُ طورًا بالإطراء والثّناء، وتارةً بالنَّقد والتَّجريح.
لستُ هنا في مَقام الدِّفاع عن طه حُسين، أَو الذَّود عن حِماه، أَو التَّعصُّبِ لِمذاهبه الأدبيّة أو آرائه النَّقديَّة، أو مضامين كتاباته؛ فليست هذه الأَسطُرُ مُخصَّصةً لوضع طه حسين في موازين النَّقد الأدبي التي تقيسُ إنتاجه الأدبيَّ، وتقول ما له وما عليه.
ولكنَّ الذي جعلني أَقِفُ هذه الوِقفة، هُو الجانبُ الوَضّاءُ من سيرته، جانبُ النَّجاح الباهر الذي حقَّقه في دُنيا الأدب والنَّقد، وهُو الكفيفُ الضَّريرُ، والمسكينُ الفقيرُ المُنحدِرُ مِنْ أُسرةٍ أَثقلَها الإملاقُ، وضرَّستها نوائبُ الأَيّام.
الذي حدا بي أَنْ أَقِفَ عندَ سيرته هُو الرَّغبةُ المُشتعلةُ التي كانت تتأَجَّجُ بين جوانحه وأضلُعه، وتُلهِبُ ضميرَه ووِجدانه.
كانَ مُحدَّدًا فيما يُريدُ، صادِقًا في رَغبته، لَم يَصرِفْهُ عن هدفه صارِفٌ، ولَمْ يَصُدَّهُ عنه صادٌّ، ولَمْ تَثنِهِ عاهةٌ، ولَمْ تَفُتَّ في عضُدِه ظُروفُ الفقر والإملاق، ولَم تَعُقْهُ البيئةُ الغربيَّةُ الغريبةُ أن يتعلَّمَ الفرنسيّة، ويَظفَرَ بِما يُريدُ.
سافرَ إلى وِجْهتِه، وأحرقَ سُفُنَ العَودة، ولَمْ يترك لنفسه مجالاً للخيارات التي تُشتِّتُ الذِّهن، وتصرفُ عن الهدف المنشود. سافر، وفي نفسه شيئان: إمّا النَّجاحُ المُتألِّقُ والنَّصرُ المُؤَزَّرُ، وإِمّا أُخراهُما، ولا يلومُهُ ساعتَها لائمٌ، ولن يُؤَنِّبَهُ بعدها ضميرٌ، وكان له ما أراد؛ وهذا شأنُ كلِّ ناجحٍ ذي هِمَّة عاليةٍ، ورَغبةٍ مُتأَجِّجة. رغِبَ، فحدَّدَ، فاجتهد، فأصرَّ، ثُمَّ نالَ ونجح.
طارق بنُ زياد والفَتحُ المُؤَزَّرُ:
يُذكِّرُني كلُّ ناجحٍ مُتميِّزٍ بالاعتقاد الجازم، والإرادة الصَّلبة، والرَّغبة المُشتعلة في النَّجاح، بِقِصَّةِ فاتح الأَندلس المُظفَّر طارق بن زياد، الذي رَكِبَ هُوَ وجنودُهُ الأَهوالَ، وامتطى الفُلكَ، وخاضَ لُججَ البحر المتوسِّطيّ الهادر، ورَسَتْ سُفُنُهُ على شواطئ شبه جزيرة الأندلس الفيحاء، وأسند هُو وجُندُه ظُهورهم إلى جبل طارق الأشمّ، وأمر بإحراق السُّفن التي جاءوا على مَتنها، وشبَّ حريقُها المَهولُ، ثُمَّ خطبَ خُطبتَه المشهورة، بلسان المؤمن الواثق، ذي الرَّغبة الصّادقة المُتأجِّجة، والإرادة الفولاذيّة التي لا تلينُ، والنَّفس الكبيرة التي لا تعرفُ اليأسَ ولا الهزيمة، والرُّؤية الواضحة التي لا يعتريها غبشٌ ولا ضبابيّةٌ، والقلب الجسور الذي لا يلتفِتُ إلى الوراء:
"أيُّها النّاسُ أين المَفَرُّ، البحرُ من ورائكم، والعدوُّ من أمامكم، وليس لكم واللهِ إلا الصِّدقُ والصَّبرُ، واعلموا أنَّكم في هذه الجزيرة أضيعُ من الأيتام في مأدبة الِّلئام، وقد استقبلكم عدوُّكم بجيشه، وأسلحتُه وأقواتُه موفورةٌ، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلا سيوفُكم، ولا أقواتَ إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوِّكم، وإن امتدَّت بكم الأيّام على افتقاركم، ولم تُنجِزوا لكم أمرًا ذهب ريحُكم، وتعوَّضت القلوب من رعبها عنكم الجرأةَ عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلانَ هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطّاغية، فقد ألقت به إليكم مدينتُه الحصينةُ، وإنَّ انتهازَ الفُرصة فيه لمُمْكِنٌ إن سمحتُم لأنفسكم بالموت، وإنّي لا أُحذِّرُكم أمرا أنا عنه بنجوة، ولا حملتُكم على خطَّة أرخص متاع فيها النّفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنَّكم إن صبرتُم على الأشقِّ قليلاً استمتعتم بالأرفهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي؛ فما حظُّكم فيه بأوفرّ من حظي".
أوضحَ بلسان الحقِّ المُبين، وبِحَرْقِه سُفُنَ العَودة ما لا يَذرُ مثقالَ ذَرَّةٍ مِن شكٍّ في نفسِ كلِّ جُنديٍّ من أجناده بأَنَّه لا مجالَ للعودة إلى الوراء، وبيَّنَ لهم بيانَ القائد الواثق أَنَّ المصيرَ هو النَّصرُ المُؤزَّرُ أَو الهلاكُ المُحقَّقُ.
وبهذه العزيمة التي لا تلينُ، والتَّوكُّل على الكبير المتعال الذي لا يتسرَّبُ إليه ريبٌ، وفَّقه اللهُ تعالى أَن يُثيرَ في نفوس أجناده الرَّغبةَ المُشتعلةَ لتحقيق النَّصر المُبين على أعدائه. وعلى يديه وعلى أيدي جنوده الأشاوس فتح الله تعالى الأندلسَ الفيحاءَ، وعاش المسلمون فيها عيشةً راضيةً، مُعلِّمين وناشرين لأنوار الهُدى الإسلامي الرَّبّانيّ، ومُؤسّسين دُولاً على الحقِّ والقسطاس المُستقيم، وقضوا فيها رِدْحًا من الزَّمن المجيد إلى أن جاء مَنْ خالفَ السُّننَ الإلهية؛ فحاقَ بهم ما حاق بِمَنْ يُخالفون السُّنن الإلهيّة، والقوانين الكونيّة.
عُصارةُ المُعتَصر في الرَّغبة المُشتعلة:
خلاصةُ القول، ونقاوةُ المُعتَصر، ولُبُّ لُبابِ هذا الباب، أَنَّك – أيُّها القارئُ الكريم – لِكيْ تَنجحَ وتذوقَ سعادةَ النَّجاح، وتستسيغَ طَعمَه اللَّذيذَ، فإِنَّهُ يتعيَّنُ عليك أن تقعَ في غرام عملك، وعِشقِ وظيفتك، وأن تَشغَفَ بها حُبًّا، ولبُلوغ ذلك عليك أن تطْعَمَ معنى الرَّغبة المُشتعلة.
واعلمْ أَنَّ درجةَ نجاحك تُقاسُ بِقُوَّة رَغبتِك، وكِبَرِ حُلمك، وكيفية تعامُلك مع محطّات الإخفاق المُؤقّت، واعلمْ أَنَّه إذا كانت لديك الرَّغبةُ الصّادقة المُتأجِّجة للنَّجاح، فقد أدركت نصفَه، وإذا لم تتوفَّرْ لديك الرَّغبة الصّادقة، فقد أدركت نصف الفشل.
احْرِق جميعَ سُفن العَودة كما أحرقها طارق بنُ زياد، وغيرُه من النّاجحين الكبار، حتّى تُحافِظَ على حالةٍ ذهنيةٍ عظيمة هي التي نُعبِّرُ عنها منذ بداية هذا الحديث بالرَّغبة المشتعلة الصّادقة.
ليسَ الفرقُ بين النّاجح وغيره في قدرات ومهارات كلٍّ منهما، إنَّما الفرقُ الجوهريُّ في رغبة كلٍّ منهما في إدراك أقصى ما تُمكِّنُهُ قدراتُه البشريَّة، واذكرْ دائمًا أنَّ أحدًا لا يستحِقُّ أَن يشغَلَ مكانًا في القِمم السّامقة، ما لم يكن مُستعدًّا أن يتفوَّقَ في عمله فوق المستوى العادي الذي يُقدِّمُه الذين يعيشون في السُّفوح المنخفضة.
قَدْ لا أكونُ مُبالِغًا إذا قرَّرتُ في هذه الأَسطُر أَنَّ الرَّغبةَ المُشتعلةَ هي مِن بين المفاتيح الأَقوى تأثيرًا، التي يتأَتّى بها فَتحُ باب النَّجاح الأكبر.
كثيرٌ من المفاتيح هي ضروريَّةٌ ولازمةٌ، وتتعاضدُ فيما بينها لِتيْسيرِ نَجاح الفرد، وتذليل الصُّعوبات التي تُواجهُهُ؛ إلاَّ أَنَّ الواقِعَ يشهَدُ ويُؤكِّدُ أَنَّ الرَّغبةَ المُشتعلِةَ هي الوَقودُ الدّافعُ، والجِذوَةُ المُتوقِّدةُ التي تُلهِبُ ضميرَ الفرد، وتُحرِّكُ وِجدانَه، وتُؤجِّجُ كيانَه، فينطلِقُ في سعيٍ حثيثٍ، وإصرارٍ لا يَعرِفُ الوَهنَ، لِتحقيق أهدافِه، وإنجاز مَشاريعه.
حافِظْ على ديمومة اشتعال الرَّغبة:
وكما أنَّه لا نجاحَ بدون تخطيطٍ؛ فلا نجاحَ بدون رغبةٍ مُتوقِّدةٍ، والشَّخصُ التَّوَّاقُ إلى النَّجاح الباهر يَجتهِدُ دَومًا في إيقادِ جِذوةِ الرَّغبة في كَيانه، حتّى يَظلَّ مُتحفِّزًا نحو العمل الذي يُريدُ إنجازَه، وبِمُجرَّدِ أن تشتعِلَ نيرانُ الرَّغبة بينَ جَنبيك، وتتأجَّجَ في كيانك، فَهَيْهاتَ أَنْ تنطَفِئَ أَو أَن يَتمكَّنَ مِن إِخمادِها صديقٌ مُنافِسٌ، أَوْ عَدُوٌّ مُشاكِسٌ.
وحتّى تَضمَنَ دَيمومةَ اشتعال رَغبَتِك تُجاهَ تَحقيقِ أمرٍ ما، فَسْألْ نَفسَكَ:
هَلْ هذا العمَلُ الذي أصبو إلى تَحقيقه يتناغَمُ معَ قِيَمي ومبادئي؟
هلْ يُحقِّقُ عملي هذا رُؤيَتي في الحياة؟
هلْ يُحقِّقُ معالِمَ الشَّخص الذي أرغبُ أَن أكونَهُ في المُستقبل؟
إذا كنتَ تَرغَبُ رغبةً حقيقيَّةً في تحقيق هدفٍ ما، فليسَ ثَمَّةَ حواجِزُ تَحولُ دون بلوغك مقصدك، إلآّ إذا افتقرْتَ إلى مَهارات التَّخطيط السَّليم، والضَّبط الدَّقيق لإدارة الوقت، والمَعارف اللازمة لإنجاز ذلك الهدف.
الفرقُ بين الرَّغبة والإعجاب والتَّمنّي:
يَحسُنُ التَّفريقُ في هذا المَقام بينَ الرَّغبة المُشتعلة، وبين الإِعجاب العابر، والتَّمنّي المَشوب بالميل النَّفسي لاستجلاب أَمرٍ أو نيلِه أو حيازتِه.
والفرقُ يتمثَّلُ في التِصاق الرَّغبة بِسِمتين قويَّتين هما: التَّحديدُ والإصرار؛ فلا يَكفي أَنْ تُعجَبَ بِأمرٍ ما، أو تتمنّى نيلَه، بل لا بُدَّ أَنْ تكونَ جازِمًا في طلبك له، وحُبِّك لِتحقيقه، مُكِنًّا بين أضلُعِك رغبةً مُلتَهِبَةً مُتَوَقِّدةً تَدفَعُك نحوه دَفْعًا، وتَهُزُّك لِتحقيقه هَزًّا، وتَؤُزُّك أَزًّا.
حَدِّدْ ماذا تُريدُ بِدِقَّةٍ، ولا تَبْغِ به بَدلاً، ولا تَرْضَ عنه حِوَلاً، ولا تُشَتِّتْ ذِهنَك بينه وبين خياراتٍ أُخرى مُشابِهةٍ، ولا تَقُلْ في نَفسِك: إِنْ لَم أُحقِّقْ هذا، فسأتحَوَّلُ إلى ذاك، وإِن لَم يتأَتَّ ذاك، فَسَأُحوِّلُ رَحْلي إلى ذلك!!
كثيرٌ من النّاس تستهويهم النَّتائجُ الجميلةُ، ويتعجَّبون عندما يسمعون أَخبارَ النّاجحين، ويَغبِطونهم ويُمجِّدون نجاحاتهم، ويَتمَنَّونَ أَن يكونوا أَمثالَهم.
وفي الوقت ذاته، لا يُكلِّفون أَنفُسَهم عناءَ السُّؤال أو الاستفسار عَن أحوال هؤلاء النّاجحين مِن قبلُ. لا يُكلِّفون أَنفُسَهم مؤونةَ السُّؤال عن أسرار تَحقيقِهم النَّجاحَ الباهرَ، واليَسارَ الزّاهرَ، ورَغَدَ العيش الفاخر.
الذين نَجحوا في ميادين الحياة المُختلفة حدَّدوا ما أرادوا. رسموا أهدافًا دقيقةً ومُحدَّدةً، وتاقت أَنفُسُهم إليها، واشتعلَت جوانِحُهم لِتحقيقها.
تأجَّجت رغباتُهم الصّادقة لإدراك مَأمولِهم فَعملوا بِكلِّ قُواهم، واجتَهدوا بكلِّ ما يَملِكون، وبَذلوا أَقصى ما في وُسْعِهم. خَطَّطوا مُتوَسِّلين بِكلِّ السُّبُل العِلميّة المُتاحة بينَ أيديهم.
عَزموا فبادَروا فَعمِلوا، فأصرّوا فصابروا ورابطوا، ثُمَّ بزغت شمسُ النّجاح ساطعةً تُنيرُ حياتَهم، وتُبْهِجُ ظُروفَهم ونتائِجَهم.
هَدفٌ مُحدَّدٌ دقيقٌ ورغبةٌ مُتأَجِّجةٌ صادقةٌ:
عندما عزم طه حُسين على دراسة الأدب الفَرنسي، وتاقت نفسُهُ للتَّغَنّي بِلُغة الجمال، التي تَطرَبُ لها النُّفوسُ كما تَطربُ البلابلُ والأطيارُ فَوقَ الأَغصان المُتدلِّيَّة الأَفنان، في الحدائق السّاحرة الغَنّاء، في فَصل الرَّبيع البَهيج، عندما عزمت نَفسُهُ على دراسة الأدب الفرنسي، ودراسة النَّظريّات الأدبيَّة والنَّقديَّة التي كانت تَحفل بها بَلدُ الجِنِّ والملائكة باريسُ، سلَكَ إلى مُبتغاهُ كلَّ سبيل، وتوَسَّلَ إليها بكلّ وسيلة.
انخرَطَ – وهو الأزهريُّ الذي تشرَّبت نفسُهُ العربيَّةَ وعلومَها مِن مَعينِها الذي لا يَنضَبُ – في صُفوف طلاّب اللُّغة الفرنسيَّة، وبدأَ يَتعلَّمُ دُروسَ قواعد الفرنسيَّة الأُولى وكلماتها وجُملها.
تعلَّمَ منها النَّزرَ القليلَ؛ فليسَ من السُّهولةِ أَن يَتعلَّمَ شابٌّ نشأ في جَوّ جامع الأَزهر الذي لا يَعرِفُ غيرَ العربيَّة شِرْعةً ومَنهجا، والذي لا يدينُ أَهلُهُ إلاّ بالإسلامِ نِحلةً ومَذهَبًا، قلتُ: ليسَ من السُّهولة أنْ يَظفَرَ بحاجته، وهِيَ إِتقانُ اللُّغة الفرنسيَّة حتّى بعد انخراطه في صفوف طلاب الجامعة المصرية بعد ذلك.
ولَكِنَّ إِتقانَ اللغة الفرنسيَّة ودراسةَ آدابِها كانَ شُغلَهُ الشّاغلَ. ملَكَ عليه وِجدانه، وأقضَّ مَضجَعَه، وزلزلَ كيانَه، وأبعدَ الكرى عن أجفانه، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ بُدٌّ مِن السَّفر إلى باريس، فعزمَ على الرَّحيل، وكابدَ – وهو الكفيفُ البصيرُ – الأَمرَّين مِن أجل حُصوله على مِنحةٍ أَو رُخصَةٍ تُمكِّنُهُ من دراسة اللُّغة الفرنسيَّة وآدابها في قلب فرنسا العامر.
تغلَّبَ على الصِّعاب، وألقى عصا التَّرحال في باريس، وتعرَّفَ على إحدى المُعلِّمات الفُضليات التي أُعجِبَت بِحِدَّة ذكائه، ورَوعةِ بديهته، وشَغَفِه بالآداب واللُّغات.
جمعتْ يدُ القدر بينهما في زواجٍ مُبارك مَيمونٍ؛ فأصبحت تلكَ المَرأةُ الأجنبيَّةُ هيَ الزَّوجَ والمُعلِّمةَ والمَلاكَ الذي يملأُ حياتَهُ بهجةً وسُرورًا، وسعادةً وحُبورا.
أعادَ دراسةَ المرحلة الثانوية باللُّغة الفرنسيّة، وأبدع في نتائج تَحصيله الدِّراسيِّ، والتَحقَ بطلاب الأدب الفرنسيّ في جامعة السُّوربون العتيقة ذات الصِّيتِ الذَّائع، والنَّجم اللامع طوال القرن العشرين، ولا يزالُ نَجمُها لامِعًا ساطِعًا في سماء التَّعليم الجامعيّ إلى الآن.
قدَّمَ طه حُسين الكثيرَ، وبذلَ الثَّمن الكبيرَ، وأفنى سِنيَّ عُمرِه – على الرَّغم من عاهته- مُتَعلِّمًا، ودارسًا، وباحثًا، ومُطالِعًا لأُمَّهات كتب اللُّغتين العربيَّة والفرنسيّة وآدابهما، حتّى لانَ له أسلوبُ القَول والكتابة بهما.
كتبَ كتابَه المشهور عن مصرَ أرضِ الكِنانة باللغة الفرنسيّة، وَوَسَمه بـ "وصفُ مِصر"، وهو سِفرٌ جليلٌ يقعُ في ثلاثة أجزاء.
عادَ إلى أُمِّهِ مصرَ، حيثُ الأزهرُ عرينُ العُروبة والإسلام، وتوَّجته مصرُ عميدًا للأدب العربيّ، وأبدع في كتاباته ومُحاضراته، ثُمَّ لَمع نجمُهُ مُتبَوِّئًا منصب وزير المعارف.
وباختصار واقتضابٍ، جاءته الدُّنيا وهِي راغِمةٌ، وأَقرَّ بِعلمه وأدبه القاصي والدّاني، وملأَ ذِكرُهُ السَّهلَ والجبلَ، وتردَّدَ اسمه في الإعلام والمحافل الأدبيّة والثقافيّة، وتناولته الأَلسِنةُ والأَقلامُ طورًا بالإطراء والثّناء، وتارةً بالنَّقد والتَّجريح.
لستُ هنا في مَقام الدِّفاع عن طه حُسين، أَو الذَّود عن حِماه، أَو التَّعصُّبِ لِمذاهبه الأدبيّة أو آرائه النَّقديَّة، أو مضامين كتاباته؛ فليست هذه الأَسطُرُ مُخصَّصةً لوضع طه حسين في موازين النَّقد الأدبي التي تقيسُ إنتاجه الأدبيَّ، وتقول ما له وما عليه.
ولكنَّ الذي جعلني أَقِفُ هذه الوِقفة، هُو الجانبُ الوَضّاءُ من سيرته، جانبُ النَّجاح الباهر الذي حقَّقه في دُنيا الأدب والنَّقد، وهُو الكفيفُ الضَّريرُ، والمسكينُ الفقيرُ المُنحدِرُ مِنْ أُسرةٍ أَثقلَها الإملاقُ، وضرَّستها نوائبُ الأَيّام.
الذي حدا بي أَنْ أَقِفَ عندَ سيرته هُو الرَّغبةُ المُشتعلةُ التي كانت تتأَجَّجُ بين جوانحه وأضلُعه، وتُلهِبُ ضميرَه ووِجدانه.
كانَ مُحدَّدًا فيما يُريدُ، صادِقًا في رَغبته، لَم يَصرِفْهُ عن هدفه صارِفٌ، ولَمْ يَصُدَّهُ عنه صادٌّ، ولَمْ تَثنِهِ عاهةٌ، ولَمْ تَفُتَّ في عضُدِه ظُروفُ الفقر والإملاق، ولَم تَعُقْهُ البيئةُ الغربيَّةُ الغريبةُ أن يتعلَّمَ الفرنسيّة، ويَظفَرَ بِما يُريدُ.
سافرَ إلى وِجْهتِه، وأحرقَ سُفُنَ العَودة، ولَمْ يترك لنفسه مجالاً للخيارات التي تُشتِّتُ الذِّهن، وتصرفُ عن الهدف المنشود. سافر، وفي نفسه شيئان: إمّا النَّجاحُ المُتألِّقُ والنَّصرُ المُؤَزَّرُ، وإِمّا أُخراهُما، ولا يلومُهُ ساعتَها لائمٌ، ولن يُؤَنِّبَهُ بعدها ضميرٌ، وكان له ما أراد؛ وهذا شأنُ كلِّ ناجحٍ ذي هِمَّة عاليةٍ، ورَغبةٍ مُتأَجِّجة. رغِبَ، فحدَّدَ، فاجتهد، فأصرَّ، ثُمَّ نالَ ونجح.
طارق بنُ زياد والفَتحُ المُؤَزَّرُ:
يُذكِّرُني كلُّ ناجحٍ مُتميِّزٍ بالاعتقاد الجازم، والإرادة الصَّلبة، والرَّغبة المُشتعلة في النَّجاح، بِقِصَّةِ فاتح الأَندلس المُظفَّر طارق بن زياد، الذي رَكِبَ هُوَ وجنودُهُ الأَهوالَ، وامتطى الفُلكَ، وخاضَ لُججَ البحر المتوسِّطيّ الهادر، ورَسَتْ سُفُنُهُ على شواطئ شبه جزيرة الأندلس الفيحاء، وأسند هُو وجُندُه ظُهورهم إلى جبل طارق الأشمّ، وأمر بإحراق السُّفن التي جاءوا على مَتنها، وشبَّ حريقُها المَهولُ، ثُمَّ خطبَ خُطبتَه المشهورة، بلسان المؤمن الواثق، ذي الرَّغبة الصّادقة المُتأجِّجة، والإرادة الفولاذيّة التي لا تلينُ، والنَّفس الكبيرة التي لا تعرفُ اليأسَ ولا الهزيمة، والرُّؤية الواضحة التي لا يعتريها غبشٌ ولا ضبابيّةٌ، والقلب الجسور الذي لا يلتفِتُ إلى الوراء:
"أيُّها النّاسُ أين المَفَرُّ، البحرُ من ورائكم، والعدوُّ من أمامكم، وليس لكم واللهِ إلا الصِّدقُ والصَّبرُ، واعلموا أنَّكم في هذه الجزيرة أضيعُ من الأيتام في مأدبة الِّلئام، وقد استقبلكم عدوُّكم بجيشه، وأسلحتُه وأقواتُه موفورةٌ، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلا سيوفُكم، ولا أقواتَ إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوِّكم، وإن امتدَّت بكم الأيّام على افتقاركم، ولم تُنجِزوا لكم أمرًا ذهب ريحُكم، وتعوَّضت القلوب من رعبها عنكم الجرأةَ عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلانَ هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطّاغية، فقد ألقت به إليكم مدينتُه الحصينةُ، وإنَّ انتهازَ الفُرصة فيه لمُمْكِنٌ إن سمحتُم لأنفسكم بالموت، وإنّي لا أُحذِّرُكم أمرا أنا عنه بنجوة، ولا حملتُكم على خطَّة أرخص متاع فيها النّفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنَّكم إن صبرتُم على الأشقِّ قليلاً استمتعتم بالأرفهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي؛ فما حظُّكم فيه بأوفرّ من حظي".
أوضحَ بلسان الحقِّ المُبين، وبِحَرْقِه سُفُنَ العَودة ما لا يَذرُ مثقالَ ذَرَّةٍ مِن شكٍّ في نفسِ كلِّ جُنديٍّ من أجناده بأَنَّه لا مجالَ للعودة إلى الوراء، وبيَّنَ لهم بيانَ القائد الواثق أَنَّ المصيرَ هو النَّصرُ المُؤزَّرُ أَو الهلاكُ المُحقَّقُ.
وبهذه العزيمة التي لا تلينُ، والتَّوكُّل على الكبير المتعال الذي لا يتسرَّبُ إليه ريبٌ، وفَّقه اللهُ تعالى أَن يُثيرَ في نفوس أجناده الرَّغبةَ المُشتعلةَ لتحقيق النَّصر المُبين على أعدائه. وعلى يديه وعلى أيدي جنوده الأشاوس فتح الله تعالى الأندلسَ الفيحاءَ، وعاش المسلمون فيها عيشةً راضيةً، مُعلِّمين وناشرين لأنوار الهُدى الإسلامي الرَّبّانيّ، ومُؤسّسين دُولاً على الحقِّ والقسطاس المُستقيم، وقضوا فيها رِدْحًا من الزَّمن المجيد إلى أن جاء مَنْ خالفَ السُّننَ الإلهية؛ فحاقَ بهم ما حاق بِمَنْ يُخالفون السُّنن الإلهيّة، والقوانين الكونيّة.
عُصارةُ المُعتَصر في الرَّغبة المُشتعلة:
خلاصةُ القول، ونقاوةُ المُعتَصر، ولُبُّ لُبابِ هذا الباب، أَنَّك – أيُّها القارئُ الكريم – لِكيْ تَنجحَ وتذوقَ سعادةَ النَّجاح، وتستسيغَ طَعمَه اللَّذيذَ، فإِنَّهُ يتعيَّنُ عليك أن تقعَ في غرام عملك، وعِشقِ وظيفتك، وأن تَشغَفَ بها حُبًّا، ولبُلوغ ذلك عليك أن تطْعَمَ معنى الرَّغبة المُشتعلة.
واعلمْ أَنَّ درجةَ نجاحك تُقاسُ بِقُوَّة رَغبتِك، وكِبَرِ حُلمك، وكيفية تعامُلك مع محطّات الإخفاق المُؤقّت، واعلمْ أَنَّه إذا كانت لديك الرَّغبةُ الصّادقة المُتأجِّجة للنَّجاح، فقد أدركت نصفَه، وإذا لم تتوفَّرْ لديك الرَّغبة الصّادقة، فقد أدركت نصف الفشل.
احْرِق جميعَ سُفن العَودة كما أحرقها طارق بنُ زياد، وغيرُه من النّاجحين الكبار، حتّى تُحافِظَ على حالةٍ ذهنيةٍ عظيمة هي التي نُعبِّرُ عنها منذ بداية هذا الحديث بالرَّغبة المشتعلة الصّادقة.
ليسَ الفرقُ بين النّاجح وغيره في قدرات ومهارات كلٍّ منهما، إنَّما الفرقُ الجوهريُّ في رغبة كلٍّ منهما في إدراك أقصى ما تُمكِّنُهُ قدراتُه البشريَّة، واذكرْ دائمًا أنَّ أحدًا لا يستحِقُّ أَن يشغَلَ مكانًا في القِمم السّامقة، ما لم يكن مُستعدًّا أن يتفوَّقَ في عمله فوق المستوى العادي الذي يُقدِّمُه الذين يعيشون في السُّفوح المنخفضة.

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire
:) =( :s :D :-D ^:D ^o^ 7:( :Q :p T_T @@, :-a :W *fck* x@ |o|