قال جلَّ شأنه: {وأَحسِنْ كما أحسنَ اللهُ إليك} [القصص:77]
الإحسانُ خَصلةٌ يُتقِنُها الأَتقياءُ، ويُحسِنُها أصحابُ النُّفوس الكبيرة، والإحسانُ في أصول الدِّين هُو أَنْ تعبدَ الله كأنَّك تراه؛ فإِنْ لَم تكنْ تراهُ فإِنَّه يراك، كما ورد في حديث جبريل عليه السَّلام.
وقد أوصانا الله تبارك وتعالى بالإحسان إلى والِدِينا، وإلى ذوي القُربى، واليتامى، والمساكين، والفقراء، والجيران، وإلى كلِّ مَن نستطيعُ توصيل يدِ العَوْنِ إليهم، وإدخال السُّرور إلى قلوبهم.
ومِفتاحُ الإحسان الذي نتحدَّثُ عنه ههنا هُو إيصالُ البِرِّ إلى كلّ بني البشر، وبَذْلُ المعروف إلى العالَمين.
الإحسانُ أَنْ نبذُلَ قلوبنا وعُقولنا ومواهبنا وقدراتنا وأموالنا لإنارة حياة الآخرين، وإدخال البَهجة إلى قلوبِهم.
الإحسانُ أَن تُدخِلَ السُّرورَ إلى القلوب الحزينة، وتمسحَ دُموعَ الغُبن والشَّقاء عن الخُدود المُتأثِّرة الكسيفة، وتُعيدَ البهجة إلى الوجوه الباسرة الكالحة.
إذا لَم يكنْ في قلبك إحسانٌ؛ فأنتَ تُعاني مِن أسوإ مُشكلةٍ تُصيبُ القلبَ البشريّ.
ولا ينبغي أنْ نتحدَّثَ عن الإحسان دون أن نُعرِّجَ على حمى المصطفى صلّى الله عليه وسلّم الذي جعله أرحمُ الرّاحمين رحمةً للعالمين؛ فهو الرَّحمةُ المُهداةُ والنِّعمةُ المُسداةُ، وهو الإحسانُ البشريُّ متمثِّلاً في بشرٍ سويٍّ.
كان صلّى الله عليه وسلّم قِمَّةَ الرَّحمة السّامقة، وذُروةَ الرّأفة الباسقة، هو القائل صلّى الله عليه وسلّم: "إِنّمَا أنا رحمةٌ مُهداة"، وهو القائل: "ارْحموا مَنْ في الأرض يرْحمْكُم مَنْ في السَّماء". [تخريج الحديث]
هذا، وقدْ حَصَرَ الكريمُ الوهّابُ رسالتَّه في الرَّحمة في قوله جلَّ ثناؤُه: {وما أرْسلْناكَ إلاَّ رَحمةً للعالمين} [الأنبياء]
كان صلَّى الله عليه وسلَّم يُنادي في الجيوش الغازية: "لا تقتلوا راهبًا.....
سطَّرَ بوصاياه الخالدة، ومواقفه الجليلة قوانينَ الإحسان إلى العالَمين، وضربَ أروعَ الأمثلة بسيرته العطرة الشذِيَّة للرَّحمة والرَّأفة والإحسان والبَذل والعطاء، ومَنْ يقرأْ عن تخفيفه الصَّلاةَ لسماع بكاء صبيٍّ، كانت أُمُّه تُصلّي مع جمع المُصلّين، ويقرأ بعضًا مِنْ وصاياه بالرَّأفة ببني الإنسان، وبكلّ ذي روحٍ من الحيوان يُدرُك جزءًا صغيرًا من معاني قوله تعالى: {وما أرْسلْناكَ إلاَّ رَحمةً للعالمين} [الأنبياء]، وتصله نسماتٌ من أريج وعبير قوله صلّى الله عليه وسلّم: "إِنَّما أنا رحمةٌ مُهداةٌ".
رسالةٌ ذهبيّة تتقاطرُ رحمةً ورحمة:
سجَّلَ التاريخُ الأمريكيُّ الحديثُ رسالةً بأحرُفٍ ذهبيّة على جبهة التاريخ، تتقاطرُ رحمةً ورأفة؛ كتبها الرئيسُ الأمريكي أبراهام لينكولن إلى اللواء روزكرانسي يستدرُّ عطفَه، ويطلُبُ منه عدمَ تنفيذِ حكم الإعدام في أحد المُعارضين المقاتلين في صفوف أعدائهم خلالَ الحرب الأَهليَّة الأمريكية:
"درستُ بنفسي شخصيًّا كلَّ الأوراق التي جاءت في قضيّة "ليونز"، وأرى أَنَّ الأمرَ لا يتطلَّبُ الإعدامَ؛ لذا، أُحيلُ إليك الأوراقَ، وكُلّي ثقةٌ أَنَّك ستقومُ بما هُو مضبوطٌ وصحيحٌ، ولكنَّني أتوسَّلُ إليك، أيُّها اللِّواءُ العزيزُ، ألاّ تأْخذ قرارًا لتثأرَ للماضي، قُمْ بما هو ضروريّ لضمان تأمين المُستقبل، وتذكَّرْ أَنَّنا لا نُحارِبُ عدوًّا أجنبيًّا، ولَكنَّهم إخوانُنا على أيَّة حالٍ؛ فهدفُنا ليسَ قتلَهم بل استعادة ولائهم مرَّةً أُخرى. دَعنا ننتصرُ برأفةٍ ورِفقٍ، ولْتَكُنْ سياستنا هكذا، وتفضَّلوا بقبول وافرَ الاحترام. أبراهام لينكولن. [نجاحات عظيمة، ص 50].
عندما قرأتُ هذه الرِّسالة الرَّقيقةُ، توالت على ذاكرتي المواقفُ المُشرِّفةُ للإحسان والعَفو التي وَقفها رسولُ الإسلام محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم وأتباعُهُ الأعلامُ الحُكماء، وسجَّلها التاريخ على جبهة الأيّام بأحرفٍ نورانيّة.
عندما دخل صلّى الله عليه وسلّم مكَّةَ المكرَّمة يومَ الفتح مُتواضعًا خاشعًا، ورأى النّاسُ كتيبته الخضراء المُدجَّجة بالسِّلاح، وقال سعدُ بنُ عُبادة: اليوم يومُ المَلحمة، اليومَ تُستَحَلُّ الحُرمةُ. اليوم أذلَّ الله قريشًا.
فلمّا اشتكى أبو سفيان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مقالة سعد، قال صلّى الله عليه وسلّم بلسانٍ كلُّه شقفةٌ وبِرٌّ ورأفةٌ ووفاءٌ: "بل اليومُ يومُ المَرحمة، اليوم يُعِزُّ الله قريشًا، ويُعظِّمُ الله الكعبة!" [أخرجه البخاري]
وكان معاويةُ رضي الله عنه كثيرًا ما يُردِّدُ: لأَنْ يَندمَ الأميرُ على الصَّفح، خيرٌ من أن يندمَ على العُقوبة.
القلوبُ الكبيرةُ تُعاقِبُ بالرَّأفة، وتُسلسلُ الأعداءَ بسلاسل الرَّحمة:
تَرفَّقْ أيُّها المولى عليهم فَإِنَّ الرِّفقَ بالجاني عتابُ
قاتلوا النّاسَ بالإحسان:
"الكلمةُ الطيِّبةُ صدقةٌ" هكذا قرَّرها نبيُّ المَرحمة الرّؤوفُ الرّحيمُ بصوتٍ جَهوريٍّ يُدوّي في أسماع العالَمين.
الكلمةُ الطَّيِّبةُ يدومُ أثرُها، ويسيرُ ذِكرُها.
العطفُ هو لُغةٌ يفهمُها الأَصمُّ الأخرسُ، ويفُكُّ شيفرَتَها الأَكمهُ والأبرصُ.
قَدْ يستطيعُ المرءُ أَن يُعيدَ قروضًا تتعلَّقُ بالذَّهب والوَرِق، وأُخرى تتعلَّقُ بالدِّرهم والدِّينار، ولكن هيهاتَ أَن يرُدَّ دُيونًا إلى قلبٍ غمرَهُ بالإحسان، وتغشّاهُ بالرَّأفة، واحتضنه بالعَطف؛ وإذا أردتَ أخي القارئ، أن تَجْزِيَ بعض هؤلاء الذين أكرموك بالحبِّ، وعاملوك بالإحسان، فبادِرْ وابْذُلْ عطفَك للآخرين، وأنفق مِن رصيد الإحسان الذي بين يديك، عسى أَن يندرِجَ اسمُك في سِجِلِّ الشّاكرين المُحسنين.
قال نبيُّ المَرْحمة: "ابتِسامتُك في وَجه أخيك صدقةٌ".
للابتسامةِ فِعلُ السِّحر في نفس المَسحور؛ فَهي تجلبُ الفرحَ والسُّرورَ للقلب الكئيب المَهجور، وتَقلِبُ العَدُوَّ اللَّدودَ إلى وليٍّ حميمٍ، وما يُحسِنُ بذلَها إلاّ لبيبٌ حكيمٌ، وما ينالُ أَجرها إلا ذو حظٍّ عظيمٍ.
الابتسامةُ الصادقةُ الرَّقيقةُ لُغةٌ عالميَّةٌ للرَّأفة والرَّحمة، يفُكُّ شيفرتَها كلُّ بني البشر.
"إِنَّكم لَن تسعوا النّاسَ بأموالِكم، فَسَعوهم بِأخلاقِكم.
لَعمْرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلِها ولكنَّ أخلاقَ الرِّجال تضيقُ
كثيرٌ من النّاس تَجدُهُ يُردِّدُ: لَوْ كنتُ غنيًّا لأَحسنتُ إلى النّاس، وأكرمتُهم، وأنفقتُ على الفقراء،..ويتناسى هؤلاء وهؤلاء الكُنوزَ العاطفيّة والإيمانيّة التي بِحَوزَتِهم، يتناسَوْنَ الحُبَّ والحنانَ والعَطاءَ والكرمَ، والرَّحمةَ، والرَّأفةَ، والاهتمام والإيثارَ، والنُّصح...
أحْسِنْ إلى النّاس تستعبِدْ قُلوبَهم فطالما استعبَدَ الإنسانَ إحسانُ
وقال المتنبي:
وقيَّدتُ نفسي في ذراك مَحبَّةً ومَنْ وجدَ الإحسانَ قيدًا تقيَّدا
أغنى النّاس هُو مَنْ يَبذُلْ نفسَهُ من أجل الآخرين.
إِنْ كنتَ تُريدُ إسعادَ الغيرَ، فأظهر الرَّحمةَ والرَّأفةَ والعَطفَ للآخرين، وإِنْ كنتَ تُريدُ إسعادَ نفسك، فأظهر الرَّحمة والرّأفة والعطف للآخرين أيضا. [نجاحات عظيمة، 48]
الذين عاشوا لأنفُسِهم، تُطوى أيّامُهم برَحيلِهم مِن عالم الأغيار، والذين أحسنوا وضَحَّوْا وبذلوا مِن أجل إسعاد الآخرين، تطول أعمارهم سنين بل قرونًا بعدَ موتِهم، ويذكرُهم التّاريخ في سجّل الخالدين.
إذا كنتَ تَودُّ تخفيفَ ألَمِك، فاسْعَ إلى تَخفيف الألم عن الآخرين، فلا يعرفُ وطأَةَ الحِرمان، وفظاعة الآلام إلاّ من كابَدها.
واعلمْ أيُّها القارئُ الكريمُ، أنَّ مِفتاحَ الإحسان يفتحُ لكَ قلوبَ النّاس، ويجعلُك تعيشُ في أمانٍ واطمئنانٍ، محفوفًا بالوُدِّ والتَّرْحاب، يُكِنُّ لك الغادي والبادي، والقريبُ والبعيد، المشاعرَ الصّادقةَ، والمَحبَّةَ الخالصةَ، والاحترامَ والتَّوقيرَ اللَّذين يرفعانك إلى عِلِّيّين النَّجاح والمَجد في الدُّنيا، ويرفعُك حسنُ خلقِك، وتعامُلُك بخصلة الإحسان إلى عِلِّيّين الجنّات يومَ القيامة، و{هلْ جزاءُ الإحسانْ إلاّ الإحسانُ}.[الرَّحمن]

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire
:) =( :s :D :-D ^:D ^o^ 7:( :Q :p T_T @@, :-a :W *fck* x@ |o|