إِنَّ مَنْ يَحلُمون بالنَّهار يَرونَ أشياء كثيرةً، لا يراها الذين يَحلمون باللّيل.
[إدجار ألن بو، شاعر]
ماذا تُريدُ في هذه الحياة الدُّنيا:
قبلَ أَنْ يَخوضَ أيُّ شخصٍ ناجحٍ في لُجج الحياة العَميقة وبِحارِها المُضطربة، يتعيَّنُ عليه أَن يُحدِّدَ ماذا يُريد.
مَنْ أنتَ؟
ما وظيفَتُك في هذا الكون؟
إلى أين تسعى؟
ماذا تُريد؟
ما رؤيتُك المُستقبليَّة؟
ما أهدافُك البعيدة؟
ما أهدافُك القريبة؟
الوُضوحُ في الرُّؤى، والجلاءُ في الغايات، والدِّقةُ في الأهداف من المبادئ العظيمة التي تُساعِدُ كلَّ فردٍ على إدراك الامتياز في الإنجاز، والعكسُ صحيحٌ، حيثُ إِنَّ تشَوُّشَ الذِّهن، وغُموضَ المقصد، يُؤدِّيان – إِنْ كانا يُؤدِّيان – إلى تحقيق لا شيء؛ لأَنَّ صاحِبَهما يكونُ مُعرَّضًا لرياح الحياة ومشاكِلها المُتعدِّدة، ويظلُّ حائرًا مُتخبِّطًا لا وِجهةَ له يقصدُها؛ وبالتّالي تَعبَثُ به الرِّياحُ العاصفةُ والأمواجُ العاتيةُ فتُصبِحُ سفينةُ حياته تترنَّحُ ذاتَ اليمين، وتتمايلُ ذاتَ الشِّمال مِنْ غير هدفٍ واضحٍ.
لا أكونُ مُبالِغًا إذا قلتُ إِنَّ سِرَّ أسرار النَّجاح الباهر هُو أن يكونَ لدى الشَّخص رُؤيةٌ واضحةٌ، وأهدافٌ مُحدَّدةٌ، ثُمَّ تليها المفاتيح الأُخرى من تخطيطٍ علميٍّ دقيقٍ، وإجراءات عمليّة، ورغبة صادقة، وحسن إدارةٍ للوقت، وغيرها كثيرٌ.
مِنْ هنا، فلا مناصَ لأيِّ شخْصٍ يبتغي نَجاحًا، مهما كان لونُه أو شكلُه أو مقياسُه، إلاَّ أن يَنخرِطَ في زُمرَة الحالِمين بالنَّهار على حدِّ تعبير الشّاعر الأمريكي إدجار ألان بو، والذين يحلمون بالنَّهار ما هُم إلاّ أولئك الذين يُنشئون الرُّؤى الكبيرة، ويُسَطِّرونها تسطيرًا.
يرسمونها في أذهانهم ومُخيِّلاتهم، ويُسجِّلونها على أوراقِهم ودَفاترهم، ويشرعون على الفور، بِكلِّ ما أُوتوا من قوة وعلم في شقِّ طريقهم نحو تنفيذها وتحقيقها.
الرُّؤيةُ الواضحةُ هي الخُطوةُ الأُولى:
إنشاءُ الرُّؤية هو الخُطوةُ الأُولى في رحلة نظام النَّجاح المتكامل. هي الإبداعُ العقليُّ الذي يسبِقُ دائمًا الإبداعَ الماديَّ. هي الفِكرةُ الأهمُّ التي تقومُ عليها جميعُ الأَفكار. هي النَّظرةُ البعيدةُ التي تراها أنت لِنفسِك، ولا يراها غيرُك لك.
رؤيتُك المُحدَّدةُ الواضحةُ، أيُّها المُجتهد الكريم، تُوجِّهُك نحو مُستقبلك الذي تُدَنْدِنُ حوله، وتجعلُك تتساءل: أّينَ أُريدُ أن أكونَ بالضَّبط خلال خمس سنوات من الآن؟ وأين أكون بعد عشر؟ وبعد عشرين...
أينَ تكونُ عائلتي؟ إلى أيّ المُرتقيات والدَّرجات أَصِلُ في المستوى العلمي؟ كيف يكونُ مُستوايَ المعيشي؟ كيف يكون دَخلي يومَها؟ ما المنصب الذي أتبوَّؤُهُ بعد خمسٍ، وبعد عشرٍ من العمل الدَّؤوب والمتواصل؟ كيف أبغي وأرجو أَن تكونَ حالتي الصِّحيّة أنا وأولادي وعائلتي الصَّغيرة والكبيرة؟
أينَ أقضي أوقاتَ فراغي، وكيف أقضيها، وإلى أين أتوجَّهُ في عُطلي وإجازاتي؟
ما هُو دَوْري العظيم والمُرتَقب في مُجتمعي الصَّغير؟ ماذا أنوي وأبغي تقديمَه للإنسانية، ما المنافعُ والخدماتُ التي أُقدِّمُها لديني وأُمَّتي؟
هذه الأسئلة، وغيرُها كثير، من الأسئلة الضَّروريّة لا بُدَّ أن نسألها حتّى يتسنّى لنا أن نُنشئَ رُؤيةً مُستقبليّةً، ونُفكِّرَ في الوسائل العِلمية المُساعدة على تنفيذها وإخراجها إلى أرض الواقع.
عدمُ وجود الرؤية الواضحة سبب حياة الحِرمان والتَّعاسة:
مُشكلةُ السَّواد الأعظم من العاملين والمُوظَّفين والطُّلاب اليوم هي في عدم رسمهم الرُّؤية الواضحة الخاصَّة بكلٍّ منهم، ومِن أجل عدم التَّحديد هذا، يقضون جُلَّ أعمارهم يتخبَّطون بين الخُطوب والرَّزايا، والمشاكل والبحث عن حلولها الآنية، سعيًا وإيابًا في المسارح والملاعب دون تسجيل أهدافٍ مُطلقًا.
أصحابُ الإنجازات العظيمة لَهم رؤى كبيرة:
بعضُ النّاس يرسمون رؤى لحياتهم ولا يصلون إلى شاطئ النَّجاح الرّائع؛ ذلك أَنَّ المُنزلَقَ الكبيرَ الذي يقعون فيه هُو صِغرُ حجم الرؤية التي يرسمونها، وضآلةُ الأهداف التي يقصدون إليها؛ فليس الخَطَرُ أنْ تكونَ لديك أَهْدافٌ ولا تستطيعُ تحقيقها؛ إنَّما الخطرُ كلُّ الخطر أن ترسُمَ رؤيةً هزيلةً، وأهدافًا صغيرةً، ثُمَّ تُحقِّقُها، وتبقى بقيَّةَ حياتك تعيشُ على فُتات ما حقَّقت، وترميم ما صنعت، مُستضيئًا بجاهٍ هزيل صنعتَه، أو مجدٍ ضئيلٍ حَقَّقته.
كُنْ ذا هِمَّةٍ عالية سامقةٍ، ونفسٍ شامخةٍ توّاقةٍ، وفَكِّرْ كما يُفكِّرُ العُظماء، وانظُرْ عند تصميم رؤيتك إلى عنان السّماء، ولا تقنع بما دون النُّجوم:
إذا ما رُمتَ في شرفٍ مَرومٍ فلا تَقْنَعْ بما دونَ النُّجـوم
فَطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيـرٍ كَطعْمِ الموتِ في أمرٍ عظيم
احلُمْ دائمًا أحلامًا كبيرةً، وكُنْ رجُلاً كُبّارًا، لا تثنيه الشَّدائد، ولا تَفُتُّ في عَضُدِه الخطوبُ ولا الرّزايا، ولا تُوقِفهُ السُّيولُ الجارفة، ولا الأعاصيرُ العاصفة، ولا الرُّعودُ القاصفة.
واعلمْ أَنَّ الأحلامَ الكبيرةَ تَجتَذِبُ العُظماءَ، وأَنَّ صُنعَ حُلمٍ كبيرٍ لا يتطلَّبُ أيَّ جُهدٍ زائدٍ على الجهد الذي يتطلَّبُهُ إنشاءُ حُلمٍ صغير.
وكُنْ رَجُلاً رِجلُهُ في الثَّرى وهامةُ هِمَّته فَوقَ الثُّريّا
تبدو الرُّؤيةُ الكبيرةُ في بادئ الأمر مُستحيلةً، ثُمَّ صعبةَ المنال، ثُمَّ يسهُلُ تنفيذُها حتّى يقولَ القائلُ: لا مفرَّ منها.
التّاريخُ يشهدُ أَنَّ الرِّجالَ العُظماء الذين حقَّقوا نجاحاتٍ عظيمةً، كانت لهم رُؤى كبيرة وأحلامٌ عظيمة؛ فلا تُفكِّرْ كما يُفكِّرُ الأَقزام في المشاريع الهزيلة، والمستويات المتدنيَّة، والمداخيل الضَّحلة.
لا تتخلَّ عن رؤيتك:
لا تسمح لأيِّ شخصٍ في الحياة أنْ يُقنِعَك بالتَّخلّي عن رؤيتك.
لمّا رأى خليفةُ المسلمين الأوَّلُ أبو بكرٍ الصِّدّيق رضي الله عنه أنَّ القتلَ استحرَّ في القُرّاء في حروب الرِّدَّة، وأَنَّ عددهم بدأَ في النُّقصان، استخار الله سبحانه وتعالى، أَنْ يَجمعَ القرآن الكريم من صدور الصَّحابة الكرام، ويُدوِّنَه على الأوراق والجريد، والرِّقاع، والعظام، حتّى لا يضيع النَّصُّ المُقدَّس من أيدي المسلمين.
عندما صحَّ عزمهُ على جمع القرآن الكريم، خالفهُ بعضُ الصَّحابة الكرام، بِحُجَّة أَنَّ ذلك لَمْ يَفعَلْهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ ولكنَّ الصِّدِّيقَ الذي تشرَّبت نفسُهُ الفِكرةَ، ورأى بنظره البعيد، وتفكيره السَّديد محاسنَها، وارتسمت في مخيِّلته فوائدُها ومنافعُها التي سيجنيها المسلمون مِن بَعْدِ رحيلِ الرَّعيل الأوّل من الأخيار، لمّا شرح الله صدرَهُ لرؤيته البعيدة المدى، لمْ يَثْنِه عن تطبيقها أحدٌ، ولَم يتخلَّ عنها، وشرع في تنفيذها وجمع كبارَ كُتّاب الوحي، وبدأ التَّدوينُ المباركُ الأوَّلُ، من صدور الرِّجال، ومِمّا كُتِبَ في عهد النُّبُوَّة الغرّاء.
وما كانَ إلاَّ أَن شرح الله تعالى صُدورَ جميع الصَّحابة رضوانُ الله عليهم بالعمل الجبّار الذي بدأه الصّديقُ رضي الله عنه، وها نحنُ أولاء نرى بركاته في كلّ الأعصار والأمصار، وما يزالُ القرآنُ الكريمُ محفوظًا في الصُّدور، مُدَوَّنًا في القراطيس والسُّطور، واللهُ غالبٌ على أمره، ولكنَّ أكثرَ النّاس لا يعلمون.
وأنت أيضا، يا مَنْ رسمتَ رؤيتَك في ذهنك، واقتنعتَ بها في وِجدانك، وسطَّرتَها في قرطاسك، لا تتخلَّ عن رؤيتك الكبيرة، مهما عصفت بك رياحُ القَدْح الجارح، والنَّقد اللاذع، والسُّخرية المقيتة.
ثَمَّةَ أُناسٌ سيُحاوِلون إقناعَكَ بالتَّخلّي عن رؤيتك. سيَتَّهِمونك بالجُنون، وبأَنَّك تهذي، وتَمُدُّ رجليك خارج البساط المُحدَّد لك، ويضحكون، وإذا مرُّوا بك وبمشاريعك يتغامزون. هؤلاء النّاس هم سارقو الأحلام، ومُدمِّرو الرُّؤى؛ فلا تُطِعْهُم، وأعرِضْ عنهم، وضَعْ بينك وبينهم حجابًا، واعلَمْ أَنَّ الكبيرَ المُتعال لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، وعليك الأخذ بالأسباب، وعلى الله تبليغُ المقاصد.
لمّا سمِعَ محمّد الفاتح، الشّابُّ المُجاهِد، ذو النَّفس التَّوّاقة، والهِمّة الكبيرة، حديثَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في فَتح مدينة القُسطنطينيّة، تاقت نفسُه، واشرأبَّ لأَنْ يكونَ هو القائدَ الفاتح، واجتهدَ، وكدَّ، وكافح، ونافح، وخطَّط، واشتعلت رغبتُه، وصحَّ عزمُه، وبلَّغه الله مَقصده، وحقَّقَ رؤيته العظيمة.
قصّةُ الطّالب (مُونتي) الذي لَم يَتخلَّ عن رؤيته:
عندما كان (مونتي) في المدرسة العليا، أعطى المُدرِّسُ طلاّبَ الصَّفِّ مُهمَّةَ الكتابة عن الوظيفة التي يرغبون القيام بها في المستقبل. كتبَ مونتي أَنَّهُ يرغبُ في امتلاك مزرعةٍ على مساحةٍ هائلة من الأرض، يُربّي فيها العديد من خيول السّباق العتيقة.
أعطاهُ المُدرِّسُ درجة ضعيف جدًّا، بِحُجَّة أَنَّ الهدفَ كان بعيدًا عن الواقِعيّة. وعندما عرض المعلّم على مونتي إعادة كتابة ورقته للحصول على درجةٍ أعلى. قال له مونتي: احتفِظْ أنت بالدَّرجة، وسأحتفِظُ أنا بِحُلمي.
والآنَ أصبح مونتي يمتلِكُ مزارعَهُ على مساحاتٍ شاسعةٍ من الأرض في كاليفورنيا، ويُربّي خيول السِّباق، ويُدرِّبُ مئات من مُدرِّبي الخيول. [انظر مبادئ النجاح، ص 31]
والخلاصةُ: إذا صحَّ العَزمُ وَضُحَ السَّبيلُ.
الرُّؤى الكبيرةُ تُنتِجُ الأعمال الجليلةَ:
اعلمْ، أيُّها القارئُ النّاجحُ، أَنَّ الإنجازات العَظيمةَ، يُنشِئُها أصحابُ الأحلام الكبيرة، وذَوو الهِمم العالية، وأنَّ مَن يزرعُ الفُتاتَ، سيجني العصفَ المأكول، والغُثاءَ الأحوى، وأنَّ الأحلامَ الصَّغيرةَ لا طاقةَ لها بِتحريك قلوب العُظماء.
واعلمْ أَنَّ الأبطالَ الذين يُحقِّقون الأرقام القياسيَّة العالَميّة في شتّى الميادين الرياضيّة، والعُظماء الذين يُشارُ إليهم بالبنان لِتفَرُّدِهم وتَميُّزِهم في التَّخَصُّصات العِلميَّة الدَّقيقة، والسّياسيّين العمالقة الذين يأخذون القرارات الجريئة والصّائبة التي تُغيِّرُ مصائر الدُّول والأُمم، في حقيقة الأمر لا يُصنَعون في صالات التَّدريب، ولا في قاعات الجامعات والكلّيّات، ولا في كواليس البرلمانات والوِزارات؛ إِنَّما يُصنَعون مِن أشياء عميقة في مَكنونات نُفوسِهم هي: الرُّؤية الكبيرة، والرَّغبة المُتوقِّدة، والاعتقاد الجازم، والمثابرة والإصرار.
عاشوا على وَقع أحلامهم المُستَقبَليَّة العظيمة، ورؤاهم الكبيرة، ولم يعيشوا على أنقاض ماضيهم. راودَتْهم أحلامٌ كبيرةٌ، فعاشوا في كنفِها في الخيال أوَّلاً، واستساغوا صُحبَتَها، وأَلِفوها، ثُمَّ عملوا على تَحويلها في أرض الواقع مشاريعَ وإنجازاتٍ.
علِموا وأيْقَنوا أَنَّ السَّعادةَ لها مفاتيح، ومِن أشدِّ مفاتيحها تأثيرًا الرُّؤى العِملاقة التي تُزحزِحُ الجبالَ مِن أماكنها، وتُغيِّر الأنهارَ من مجاريها.
آمنوا بِفكرة المُقاول الأمريكي العملاق (دونالد ترامب)، الذي يُكرِّرُ دائمًا عبارة: طالما أَنَّك ستُفَكِّرُ؛ ففكِّرْ في أَشياء كبيرة جدًّا.
علِموا أَنَّ الممالكَ العملاقة، والدُّولَ المُتقدِّمة، والحضارات الرّاقية، والشُّعوبَ العظيمة، والإنجازاتِ الجليلة، والمشاريعَ الواعدة، تحتاجُ إلى تضحيّاتٍ جسيمة، وخُطواتٍ جبّارةٍ، وثمنٍ باهظٍ مدفوعٍ مُقدَّمًا، فما تكاسلوا، وما استنكفوا، وما حزنوا، وما تردَّدوا، وردَّدوا مع الشاعر العربيّ الأصيل:
تَهونُ علينا في المَعالي نُفوسُنا ومَنْ يَخطُبِ الحسناءَ لَمْ يُغلِها المَهرُ
تَعرَّفْ على سبب وُجودك في الحياة:
خلَقنا اللهُ سبحانه وتعالى في هذه الحياة الدُّنيا لرسالةٍ سامية، وغايةٍ عظيمة، ألا وهي عبادُتُه جلَّ وعلا. قال تبارك اسمُه: {وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعبُدونِ ما أريدُ مِنهم مِن رِزقٍ وما أريدُ أنْ يُطعِمونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذو القُوَّةِ المَتينُ} الذّاريات: 56-58]
والعبادةُ في هذا المِضمار ينبغي أَنْ تُفهَمَ بِمَفهومها الشّامل، شعيرةً، وعملاً، وعِلمًا، وخضوعا، واستسلامًا، وانقيادًا لجميع أوامره جلَّ ثناؤه، وانتهاءً عن جميع المَنهيّات التي وردت في الشَّرع الحكيم.
فطالبُ العلم في جميع التَّخصُّصات هو عابدٌ لله تعالى بطلبه للعلم في مدرسته وجامعته، والمُعلِّمُ عابدٌ لله في مِحرابه التَّربويّ، والمُصلّي والصّائم والحاجُّ والمُعتمِرُ والمُزكّي ماله، كلُّ هؤلاء عابدون لله بأدائهم الشَّعائر التَّعبُّديّة المفروضة والمسنونة، والسّياسيُّ عابدٌ في ديوانه، ورجلُ الأعمال السّاهرُ على إنجاح مشاريعه عابدٌ لله في مؤسَّسته، والطَّبيبُ عابدٌ لله في عيادته، والتَّاجرُ عابدٌ لله في مَتْجره، وكلُّ مؤمنٍ مسلمٍ عابدٌ لله تعالى فيما يقومُ به مِن عملٍ، وفي الثَّغرة التي جعله الله فيها. كلُّ هؤلاء عابدون بشرطٍ واحدٍ فقط، أَن يستحضروا نيَّةَ العبادة لله تبارك اسمه فيما يقومون به من أعمالٍ ووظائف.
كلُّ مَن يسعى في تعمير الكون الذي نحيا فيه هو عابدٌ لله تعالى من حيثُ موقعُهُ الذي سَخَّره الله تعالى فيه، وهو مُنقادٌ مُستسلِمٌ لشرعه وسُننه الكَونيّة، شريطةَ الإقرار بعبوديّته له، وتوحيده في ألوهيّته وربوبيّته وأسمائه وصفاته، واستحضار نيَّة إخلاص العبادة له وحده دون سواه.
قال جل ثناؤه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيّنة: 5]
وقال تقدست أسماؤه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116 ]
وقال عزَّ وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]
وقال تبارك وتعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]
والغرضُ مِن سَوقِ حديث عبوديَّة الإنسان لربّه، وكونِه مُكلَّفًا بِتعمير الأرض، وإقامة شرعه فيها، هو تذكيرُ كلّ مسلمٍ فوقَ هذه المعمورة أن يتفطَّنَ إلى وظيفته العُليا التي فطره المولى عزَّ وجلَّ من أجلها، وهذا يُؤدّي به إلى صَوْغ رؤيته الكبيرة، ورسم أهدافه بما يتَّفِقُ ويتناغَمُ مع وظيفته السّامية التي رشَّحه الله تعالى لها.
مِن هنا، فإِنَّ على كلِّ مسلم أن يأخُذ بعين الاعتبار، وهو يصوغُ رؤيته وأهدافه، الرِّسالةَ الخالدةَ المنوطة بعُنُقه، وألاَّ يغفلَ بُرْهةً مِن زمنٍ عنها، ويعملُ على الرَّبط بينها وبين ما يسعى إليه في عاجل دُنياه؛ فكلُّ وظيفةٍ دنيوية، وكلُّ أهدافٍ، مهما تنوَّعت ميادينها ينبغي أن تَصُبَّ في إرضاء ربِّه، والارتقاء بأُمَّته، وزيادة عرض إسلامه الذي يُؤمن به.
كيف تكتُبُ رؤيةً سليمةً؟
يُستَحسَنُ أَن تكونَ رؤيتُك مُتضمِّنةً لأَهمِّ مجالات الحياة الحيوية، وهي الجوانب الآتية: الجانب المادي، والوظيفي، والصِّحّي، ووقت الفراغ، وجانب العلاقات، وتطوير الذّات، وجانب دورك تُجاه مُجتمعك وأُمَّتك.
والآن، تناولْ ورقةً وقلمًا، وخُذْ وقتًا كافيًا وفَكِّرْ في النِّقاط الآتية حتّى تتمكَّن من إنشاء رؤية صحيحة، وكبيرة تتناسبُ مع طموحاتك وأحلامك:
تذكَّرْ: أَنَّك كُلَّما أكثرت من التَّفاصيل الدَّقيقة في رؤيتك التي ترسمها، كان ذلك أدعى أن يُفكِّرَ فيها عقلاك: الواعي، والباطن، وأنْ يعملا على تحقيقها في الواقع.
1 – ركِّزْ على الجانب المادّي من حياتك، ما هي نظرتُك لِدخلك السَّنوي في المستقبل، في الأعوام الخمسة المقبلة، أو الأعوام العشرة المقبلة، كيف ترغبُ أَن يكونَ تدفُّقُك المالي؟ ما رُؤيتُك لمنزلك في المستقبل، ماذا عن مساحته، وشكله، وموقعه؟...ما طبيعة المناظر الطبيعية التي تُحيطُ به؟
2 – ما هي وظيفتُك المستقبليّة؟ كيف تتخيَّلُها؟ ما طبيعةُ إنجازاتك التي ترغبُ في إنجازها؟ ما حجمُها؟ ما نوعُ الزَّبائن الذين ترغبُ في التَّعامُل معهم؟
3 – ما هي رؤيتُك المِثاليَّةُ لِجسدك؟ ماذا ستفعلُ لضمان صحَّة جيِّدة، ولياقة بدنية رائعة؟
4 – ما الكيفية التي ترى بها أوقات فراغك وإجازاتك؟ أين ترغبُ أن تقضيَ عطلك الصَّيفية، والموسمية؟ ما التَّخطيط والإجراءات التي تتخذها لقضاء أوقات فراغ مُريحة وممتعة؟
5 – ما هي رؤيتُك المثالية لعلاقاتك الزَّوجيّة، والأُسريّة، وعلاقاتك مع الأصحاب والجيران وزملاء العمل؟ ما طبيعة ارتباطاتك؟
6 – ماذا عن تطوير ذاتك؟ ما المهارات التي ترغبُ أَن تكتَسِبَها؟ ما الدَّورات التي تعزمُ الالتِحاقَ بها؟ ما مستوى نموِّك الرُّوحي، والتزامك بالمبادئ والقيم التي تؤمن بها؟
7 – ما علاقاتُك بمجتمعك الكبير، بِوطنك، بأُمَّتك، ما الدَّورُ الذي تعتزمُ القيام به في مجتمعك؟ ما المنافع والخدمات التي تريد تقديمها إليه؟ ما الرِّسالة التي تحملها وتحرص على تبليغها لأبناء اُمّتك؟
ومِثلُ هذه الأسئلة، وأدقُّ منها ينبغي أن تكون كلُّ الأفكار التي تُسطِّرُها واضحةً ومفصَّلةً، لِتبْنِيَ رُؤيةً صحيحةً وكبيرةً ومُتناغمةً مع مبادئك وقِيَمِك وقناعاتك.
ابدأ والنهاية في ذهنك:
عندما تُمارسُ صناعة الرُّؤية، وتتحرّى في ذكر تفاصيلها، فإِنَّك – بشعورٍ أو بغير شعور منك – تصقُلُ مهارة التَّخيُّل لديك. وإذا ما شاركت بجدِّيةٍ في تجربة التخيُّل فإنَّك تكون بذلك قد وضعت أصابعك على بعض قيمك الأساسية والعميقة في الحياة، وأقمت اتِّصالاً مختصرًا مع نظام التَّوجيه الدّاخلي في قلب دائرة تأثيرك.
التَّطبيق الرَّئيس والأهمُّ لعبارة "ابدأ والنهاية في ذهنك" يتطلَّبُ أن تبدأ منذ اليوم الأوَّل بتصوِّر وتخيُّل الأنموذج الذي ترغبُ أَن تكون عليه حياتك، وترسم إطارًا مرجعيًّا، وقاعدةً تضبط عليها أمورك.
إذا تمثَّلتَ هذه القاعدة في ذهنك بوضوح، فسوف يُمكنك التَّأكُّد من أنَّ كلَّ ما تقوم به في أيِّ يومٍ في حياتك لن يُخالف القاعدة التي حدَّدتها على أنَّها بالغة الأهميَّة.
قد يُحرز كثير من النّاس انتصاراتٍ لا جدوى منها، ويُحقِّقون نجاحات يتضاءل الكثير منها أمام الثَّمن الذي تمَّ دفعه، وفي مختلف دروب الحياة نجد أطبّاء وأساتذة جامعات، ومهندسين وممثِّلين, ورياضيّين ورجال أعمال، اعترف الجميع بكفاءاتهم العالية بعد أن بذلوا جهودًا مضيئةً من أجل تحقيق دخول مرتفعة، ويكتشف هؤلاء أنفسهم في نهاية الأمر أنَّ اندفاعهم لتحقيق أهدافهم قد ضلَّلهم وأبعدهم عن أمورأخرى أكثر منها أهميةً.
الذي يبدأ والهدفُ واضحٌ في ذهنه سيصبح أكثر فعّاليَّة.
"ابدأ والنِّهاية في ذهنك" هي عادةٌ تعتمد على مبدأ أنَّ كلَّ الأشياء يجري صنعها مرَّتين: تُصنَعُ في تصوُّرك الذهني أوَّلا، ثُمَّ تُصنَعُ في الجانب المادّي الواقعيّ.
ويُمكن تمثيلُ ذلك بحالتك عندما تعتزم بناء منزلٍ؛ فإنَّك تُقيمه في ذهنك بكلِّ تفاصيله قبل أن تدقَّ مسمارًا واحدًا في مكانه. المخطَّط المعماري أوَّلا، ثُمَّ الشُّروع في البناء في عالم الحقيقة والواقع.
وهذا يقتضي أن تتَّبِعَ أساليبَ علميَّةً دقيقةً في عملك على طريقة الحكمة القائلة: قُمْ بقياساتك مرَّتين لتقطيع أخشابك مرَّةً واحدة.
وهذا ينطبِقُ على كلّ نشاطٍ يقوم به كلُّ إنسانٍ في الحياة؛ فإذا أردت أن تقوم برحلةٍ ما فإنَّك تحدِّد هدفك، وتختار أصلح طريق للوصول إلى مُبتغاك، وإذا كنت من المُتكلِّمين فوق المنابروالمحافل، فأنت تصنع أحاديثك على الورق أوَّلا، قبل أن تلقيها على الأسماع والأذهان. إنَّ القدرات الفريدة من نوعها لإدراك الذَّات والخيال والضَّمير، تمكِّننا من الخطوات الأولى لإنشاء الأشياء. [العادات السبع للناس الأكثر فعالية في العالم بتصرف، ص]

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire
:) =( :s :D :-D ^:D ^o^ 7:( :Q :p T_T @@, :-a :W *fck* x@ |o|